عالم مزاب الساحر \ رحلة الى الصحراء الجزائرية

عندما تعثر فجأة على قطعة من التاريخ الحى ,لا تملك سوى ان تحتفي بها وتتأملها وخاصة اذا كانت مثل مدن وأدى مزاب في قلب الصحراء الجزائرية ,عندما ترى نظاما اجتماعيا دقيقا , وتشاهد الاهالى بلحاهم الطويلة , وتقاليدهم وعاداتهم السائدة , وترى طراز عمارتهم وتخطيط مدنهم , فكأنك تطل على القرن الخامس الهجرى ..
وما اشد ما تغرى على التجوال والبحث والتقصي ….
قادني إلى هذه الجولة كلمات قرأتها للكاتب الفرنسي شار جوليان في كتابه حول شمال افريقيا ..
تقول ..((اعترض الحكم العربي في المغرب تحد من خلال الإسلام , عندما انحاز البربر في القرنين الثامن والتاسع إلى شقاق يهدف إلى المساواة , ويدعوا إلى اختيار الخليفة من جموع المسلمين بصرف النظر عن اى ميزة عرقية , ودامت الثورة ما يزيد عن قرنين , ولم يتم التغلب عليها سوى بعد عام 375هـ , عندما تشتت البقية الباقية منهم في صحراء الجزائر وتونس بعد انهيار مملكة تاهرت سنة 909م.
وبقى اليوم احفادهم يعيشون جماعات منكمشة مغلقة في جزيرة جربة وفى ورقلة وخاصة في مزاب التى تقوم فيها مدن غاردايه ومليكة وبنى يزقن الطاهرة ذات الصوامع العارية من كل زخرف )).
وكانت هذه الكلمات بداية رحلة ذهنية بيت الكتب قادت إلى جولة وادي مزاب , تبينت خلالها مدى اقتراب كلمات الكاتب الفرنساوى من الحقيقة ,وقمت برحلة شيقة مليئة بالفن والسحر والتاريخ , شاهدت خلالها عالما بأكمله من التاريخ الحي .
لم يكن الوصول ال وادى مزاب سهلا , بل يشبه سباق تخطى الحواجز , وانتهت متاعبنا لدى وصولنا
إلى مطار غاردايه الذي يبعد عن العاصمة نحو 600كيلو متر في قلب الصحراء , وفى الطريق من المطار إلى البلد ومنذ الخطوات الاولى من رحلتنا , اخذنا بالمكان وما يحمله من اءيحات جمالية وتاريخية .
يمتد امامك وادى,, مزاب وترى صورة بانورامية للوادى ومدنه القائمة فوق التلال يحيط بها اللون الاخضر لاشجار النخيل في خلفية المكان على امتداد الوادى , تظهر بوضوح ثلاث مدن فوق ثلاث تلال , اقيمت بنظام دقيق ,في اعلى قمة التل يقوم الجامع بصومعته المربعة ذات الطراز الخاص – اى المنارة كما يطلق عليها في المغرب العربي -, وهى على نفس اقدم المساجد التى بقيت على حالها في الجزيرة العربية , وهو مسجد سيدنا عمر في منطقة الجوف , تتحلق حول الجامع بيوت الاهالى ,كل حلقة بارتفاع واحد وطراز معمارى خاص , والعمارة هنا اكثر ماتكون شبها بعمارة شيئام وسيئون في حضر موت باليمن الديمقراطية , ويغلب على المدينة المزابية اللونان الازرق والابيض , وعندما تصل المدينة إلى نهاية التل يحيطها سور من حوله الأبراج على مسافات متساوية .
وامام هذا المشهد أتذكر فجأة آلة الزمن تلك الحيلة التي أخذها خيال السينمائيين , والتي تعود بالمشاهد إلى اى مرحلة من مراحل التاريخ تنقل أحداثه ومشاهده , ولا يفوتها طراز المباني ولا نوع الازياء ومظاهر الحياة وطعمها الخاص , فهنا يمكن الاستغناء عنها جميعا عندما تشاهد التاريخ مجسدا أمامك بكل تفاصيله.
وقد ساهم في إقامة هذا الوادي ومدنه كل من العقيدة والبيئة والتاريخ … ففي هذا المكان البعيد عن العمران , والذي يقع بين جبال جرداء صخرية , تكونت على مر الأيام هذه المدن في بطء وصبر , وهى تبدوا من بعيد وكأنها خلية نحل في التنسيق والنظام والدقة .
ويبعد هذا الوادى عن المعمور حوالى 300كيلو متر – اى عن الاغواط اقرب المدن اليه - , ويقطنه 100000الف نسمة , وساهمت عزلته هذه في تكوين طابعه الخاص , فالوديان في الصحراء مثل الجزر في البحار كثيرا ما تضم وتحافظ على بقايا التاريخ الحى ,وساهمت حالة التوجس والخوف التى عاشها هذا المجتمع في الايغال بالتمسك بالماضى , مما امده بهذه الطاقة التاريخية على الدوام والاستمرار , وشحذ الذاكرة التاريخية لاهل مزاب وجعلها حادة واضحة ….
جاءت إقامتنا في غارداية في فندق يطلق عليه اسم(( الرستميون)) , أقيم على الطراز العربي وصممه احد المعماريين الفرنسيين مكان قلعة فرنسية قديمة كانت تحتل موقعا استراتيجيا , وتشرف على غاردايه, عاصمة المزاب , واكثر مدنه تقبلا للتغيير , وبقدر ما فتحت غاردايه ابوابها للغرباء , بقيت المدن المزابية الأخرى موصدة الأبواب , وكأن غادايه قد اختارت أن تدفع الضريبة عنهم , فاتسعت وتمددت خارج الاسوار , وهدت محلات حديثة وبنوكا ومكاتب حكومية وفناددق , وبها مقر حزب جبهة التحرير ( الحزب الحاكم ) , ويسكنها رجال الادارة والعاملون في كل المشاريع الجديدة ..
يزدحم الفندق بالسياح , واغلبهم من الفرنسيين , يتوقفون في غاردايه اهم محطاتهم في الطريق الذي يصل من العاصمة إلى تمنراست بلد جبال الحجار ( الهوكار ) والطوارق (2000كيلو متر ) , عندما يسلكون الطريق الوطنى رقم 1, او طريق الوحدة الافريقية – اهم مشاريع الجزائر والذى بداء عام 73 وينتظر ان يكتمل خلال عام واحد – وهو يحول الصحراء من نقطة فصل إلى نقطة اتصال مع الدول الافريقية جنوب الصحراء .
وما زالت الصحراء الجزائرية اهم التحديات التى واجهت الجزائر , فاستهدف المستعمر الفرنسى فصل الصحراء التى تبلغ مساحتها اربعة ملايين ونصف مليون كيلو متر مربع والتى يسكنها عدد قليل من السكان المبعثرين في واحات متباعدة , وخضعت الصحراء لادارة الجيش الفرنسى مباشرة , وجعل لها وضعا قانونيا خاصا , بل واجرت فرنسا تجاربها النووية فيها , اما منطقة الساحل إلى تمثل عشر مساحة الجزائر فقد سكنها المستوطنون الفرنسيون ( الكولون ) واستأثرت بكل المشاريع الفرنسية .
وكان الطريق الذي يقطع الصحراء هو الرد الوطنى على فصل الصحراء , ويصل هذا الطريق إلى كل من النيجر ومالى على شكل حرف (Y) مقلوبة , ويعيد طريق القوافل القديم إلى ((تمبكتو )) ويساهم من جديد في نقل البضائع والأفكار , ويقدم لكل من النيجر ومالى طريقا إلى البحار المفتوحة وخاصة انه ليس لاى منهما مرافىء.
وبالفعل ساهم ما انجز من الطريق في إقامة العديد من المشاريع الصناعية الهامة , كما وضعت الخطط لتوطين البدو وقيام حياة جديدة في الصحراء .
يتحدث السياح في الفندق بشاعرية عن الصحراء , قال رجل فرنسي في خريف العمر : ((تبحث عن الصحراء عما في داخلك , فهي لا تكشف أسرارها لكل من يرتادها , بل ولا كنوزها ولا أعاجيبها )).
وقالت فتاة رشيقة تصحبه ..(( ما أجمل ليل الصحراء , فالسماء والقمر والنجوم لها طابع وميزة لا تراها على هذه الصورة في اى مكان من العالم )).
وعاد الرجل يصف لحظة وصوله إلى الوادى قائلا : (( فجأة تظهر الواحة بلونها الأخضر مع خيوط أشعة الشمس الذهبية , وكلما اقتربنا وظهرت تفاصيل اكثر , رأينا المدن المزابية وكأنها مدن تاريخية مسحورة في احدى روايات الف ليلة وليلة )), ويستطرد قائلا (( ان الرحلة التي تقطعها السيارة تستغرق أسبوعين من العاصمة حتى تامنراست تمثل خلالها الواحة لحظة الوصول إلى الحياة , والاتصال بالعالم الخارجي وهى في هذا تشبه مكاتب التلغراف التي تصلك بالعالم في فضاء لانهائي )).
٭٭ الرستميون
اسم الفندق وموقعه له ايحاء خاص , فاسمه زء من التاريخ الحى , ومن هذا الفندق نطل على التاريخ , فهو يحمل اسم حكام دولة بنى رستم الاباضية , والتى تشكل قصة قيامها وانهيارها في وجدان ابناء الوادى الحلم الضائع والجنة المفقودة .
وتكشف صفحات التاريخ الكثير مما يجرى حولنا فالوادى وسكانه من بقايا الدولة الرستمية التى قامت في الماضى , وما زال اهل الوادى متمسكون بكل ما تمثله دولتهم القديمة , وقد استمرت هذه الدولة حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجرى , وكانت(( تاهرت)) هى عاصمة الدولة ,وامتدت لتشمل المناطق الداخلية , وحدودها الاراضى الوعرة والصحراء الشاسعة , ووصلت حتى مشارف طرابلس الغرب.
والآن حان الوقت لنكمل جولتنا في المدن الميزابية – وهى في الواقع قرى اكثر منها مدنا - , يشدنى العمل الشاق الذي بذل وما يحمله الوادى من لمسات الفن والجمال , ففى هذا الركن المفقود من الصحراء تتوزع مدن مزاب الخمس وهى غارداليه ( غار- دايه ) ومليكه( اسم ابنة احد الحكام ) والعطوف وبنى يزقن وبونوة في دائرة لا يزيد نصف قطرها عن سبعة اميال فوق خمس تلال , (( وهذه المدن نشأت في فترات زمنية متتالية , وعندما اكتملت وضاق الوادى بسكانه , اقيمت المدينتان هما القرارة وبريان , تبعد الاولى عن غاردايه مائة كيلو متر والثانية 48 كيلو متر , وتضاف اليهما متليلى وهى مدينة مشتركة يتعايش داخلها في انسجام كامل كل من ابناء المذهب المالكى وامذهب الاباضى ..
تشاهد امامك قرى بعمارتها وازقتها واسوارها وابراجها وعادات اهلها وتقاليدهم ولباسهم المميز – العمة والسروال – ولحاهم الطويلة وكأنهم استمروا هكذا لم يتغيروا منذ ما يقارب التسعمائة عام ويخيل اليك انك ترى ذات البشر القدماء..
٭٭محو الامية
ولا يخرجك من التاريخ سوى احد الملتحين بسرواله التقليدى يمرق من جانبك بدراجته البخارية ثم بعض السيارات الحديثة التى تقف عند الاسوار , والطرق المرصوفة التى تنقلك من مدينة إلى اخرى ,فما اصعب مقاومة رياح التغيير والحاح العصرية ..
في هذا المجتمع يزاد كبار السن بلحاهم الطويلة البيضاء , وتكاد تختفى المرأة من ازقته , مجتمع لا تجد فيه اميا واحدا , بل ويندر ان تجد فيه من لا يتحدث العربية بطلاقة إلى جانب اللغة البربرية المحلية , ولديه نظامه الخاص في التكافل الاجتماعى , ونظامه في حل الخلافات التى تظهر بين افراده , مجتمع يأخذ نفسه بالشدة ويتمسك بتعاليم الدين الحنيف .
وساهم الماضى في تمسك افراد هذا المجتمع يكل ما فروا من اجله إلى هذه المنطقة النائية ,مما يؤكد ان الاضطهاد والملاحقة لا يقضيان ابدا على الفكرة بل يساهمان في الحفاظ عليها والتمسك بها .
ومع بداية جولتى حذرنى صاحبي بقوله :(( ان العديد من معتقداتهم تعتبر من خصوصياتهم التى لا يرحبون بالكشف عنها , ولا يرحبون بالغرباء كثيرا , وعندما توجه سؤالا لاحدهم لا تتلقى الاجابة الا بعد استشارة شيخهم …)), وعندما التقيت بعدد منهم وجدت الكس تماما , ولقيت منهم الحفاوة والترحيب , والرد على جميع استفساراتي , فالفارق لديهم كبير بين الأجنبي والعربي , بل لاحظت ان الكثيرين منهم يتابعون بشغف إحداث المشرق العربي , ويناقشون قضياه باهتمام بالغ .
وأكثر ما جذب اهتمامي بعد البشر ونظمهم معالم العمارة التي يؤكد الخبراء ان وأدى مزاب يضم المجموعة الاسلامية الهندسية الرئيسية في الصحراء , وأقدمها جميعا . وهى تتميز بدقة وجمال لا في المسكن فحسب بل وفى اعمال الرى والدفاع أيضا , واول ما يلفت النظر التناغم والانسجام بين التل والمبانى من فوقه , فهنا العمارة عمل أصيل وانعكاس تلقائي للبيئة والفكر والاجتماعي والتقاليد والوضع الاقتصادي .
قادنى صاحبي إلى جامع سيدى ابراهيم على مشارف بلدة العطوف اقدم المدن الزابية والتى تبعد عن غاردايه سبعة كيلو مترات وهو اول مسجد اقيم في مزاب إلى مكان اثرى , يبدوا شكل الجامع وكأن المعمارى الذي اقامه كان يطوع الحجر ويلاينه ويخرج منه هذا العمل الفنى الذي جمع بين الابداع والبساطة , فالمبنى على نفس شكل الحجر , ويتسق مع البيئة من حوله .
والجامع لديهم ليس مكان للعبادة فحسب بل ومركزا للحياة , يأخذ هذا الجامع بفكرة القبلة المفتوحة والتى تتجه إلى الفضاء الواسع , ولديهم تقليد فريد بالا يقوم في المدينة سوى جامع واحد , يتسع مع اتساع المدينة , فلا يقام سواه فوحدة الجامع تعنى وحدة المجتمع والعقيدة .
ويؤكد مرافقى مسؤلول الاثار في مزاب الفنان عبد الحميد عرعور : (( ان عددا كبيرا من المعماريين الفرنسيين يجدون هنا الكثير الذي يتعلمونه من هذا الجمال المعمارى المتكامل , وهذا الانسجام بين الوظيفة والشكل )).
ويقف وراء كل هذا الفن ذلك الإنسان الذي عمل بيديه المجردتين في صراعه الطويل مع البيئة ومواد البناء , لكي يتمخض من هذا الصراع ذلك الجمال المعماري القائم , ويأتي جمال الشكل من التوافق والتوازن الذي يعبر عن الوحدة والمساواة في ظل الأيمان , وترى هنا كيف تمثل الزخرفة الفطرية القديمة جمالا باقيا , لم تصل إليه بعد التشكيلية المصطنعة الحديثة .
٭٭احد بيوت مزاب
من الصعب ان تدخل احد البيوت المزابية بلا سابق معرفة , بل ومن العسير ان تلتقط الصور لابناء مزاب الذين لا يزالون يعتقدون ان التصوير يخالف الاعراف والتقاليد ..
اخذنا مرافقنا إلى بيت مزابي قديم خارج الاسوار , يستأجره احد الفرنسيين المولعين بمزاب , مظهر البيت الخارجى بسيط لكنه متناسق , شيد وفق احتياجات المعيشة اليومية ولمسايرة ج
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |